عبد الملك الجويني

27

نهاية المطلب في دراية المذهب

القدر في حق نفسه ، ثم الانتساب إليه يوجب مساواته في القدر الملتزَم ، كما يوجب اطّراد الذمّة من غير تجديد . ولو بلغ ابن الذمي سفيهاً غير رشيد ، فلا بد من الجزية ، ثم القول في اطراد الذمة كما سبق . فإن قلنا : لا بدّ من عقدٍ جديد ، لم يختلف هذا بأن يكون سفيهاً أو رشيداً ؛ فإن الاستمرار تحت [ العهد ] ( 1 ) ونبذه [ مما ] ( 2 ) لا يدخل تحت الحجر . وسئل القاضي عما لو التزم ( 3 ) أكثر من دينار دون إذن الولي ، فقال : تلزمه الزيادة ، وإن لم يأذن فيها الولي ، وبناه على أن عقد العهد ونبذه لا يدخل تحت الولاية . وهذا غير سديد ؛ فإن أصل العهد كذلك ، فأما التزام مال ، بلا فائدة ، فيجب أن يقبض فيه على يده ، حتى لا ينفذ التزامَه الزائد على الدينار . ولو وجب على السفيه قصاصٌ ، فأبى مستحق الدم أن يصالح إلا على أكثر من الدية ؛ فإن السفيه يبذلها لحقن دمه ، ولو لم يبذلها السفيه ، فالولي المتصرف في نفسه هل يبذل ماله لحقن دمه [ إذا كان السفيه لا يطلبه ، أو ينهى عنه ؟ الوجه عندنا أن يقال : للولي أن يحقن دمه ] ( 4 ) كما أنه يتدارك رمقه وإن احتاج إلى استيعاب ماله لطعام يحصله له . فإن قيل : لو لم يفعل الولي ذلك ؟ قلنا : يفعله السفيه . فهذا التصرف يجب أن يكون دائراً بينهما . والوجه أن يراجع الولي فيه إذا أمكنت مراجعته ، فإن عسرت المراجعة أو امتنع الولي ، فيستقل السفيه بحقن دم نفسه ، وإن احتاج إلى بذل ديات ، وليس هذا كالجزية التي نحن فيها ؛ فإن حقن الدم ممكن بدينار ، والصلح عن الدم مفروض فيه إذا كان مستحقه لا يرضى بمقدار الدية ، والحق له ، وقد يخطر للفقيه أن السفيه إذا أبى أن يصالح ، فليس لوليه التصرّف في دمه ، وهذا بعيد ؛ فإن ماله صين عن الضياع بنصب الولي استصلاحاً ، فدمه أولى بالحقن إذا حَقَّت الضرورة .

--> ( 1 ) في النسختين : " الحجر " . ( 2 ) في الأصل : " ومما " . ( 3 ) أي من بلغ سفيهاً . ( 4 ) ما بين المعقفين زيادة من ( ه‍ 4 ) .